نذير حمدان

60

حكمة القرآن والحضارة

وثالثها : أن تكون نفسه متصرفة في مادة هذا العالم فيقلب العصا ثعبانا والماء دما ، يبرئ الأكمه والأبرص إلى غير ذلك من المعجزات « 1 » ، ويلاحظ أمور : 1 - يفلسف الرازي وغيره خصائص النبوة على ( طريقة ) الفلاسفة محاولين تطبيقها على شخصية الرسول المتميزة عن شخصية الحكيم أو الفيلسوف ، وإن تكن طريقة مهذبة خالية من الألفاظ الفلسفية المحضة . 2 - القوى العاقلة والمتخيلة والمتصرفة مجهولة الكنه والحقيقة وإن تبدّى بعض آثارها ومظاهرها التي يمكن أن تنضد في سلك الحكمة النبوية الخاصة . 3 - في القوة المتخيلة يستطيع النبي سماع كلام اللّه والإخبار عن المغيبات كما جاء سابقا ، وهذه القوة وإن اختلف المعجميون في تفسيرها وفي وظيفتها وعملها ، فمن المشهور أن النبي كان يسمع كلام اللّه بطريق جبريل الأمين ، وأن اللّه قد يخصّ بعض مغيباته من رضي من رسله ( الجن 27 ) . 4 - المعجزة أمر خارق للعادة يؤيد اللّه بها رسله بالتصديق وليست باختيار النبي ولا قدرته وإذنه ، وإنما هي بمشيئة اللّه وقدرته كما صرّح القرآن به كثيرا وكما صرح الرسل أنفسهم وبخاصة عيسى عليه السلام حيث يعلن الربانية في كل واقعة معجزة ، بينما نسب الرازي خاصة النبي إلى قدرته وحده على التصرف في مادة هذا العالم . وسبق الفارابي إلى بيان كيفية اتصال النبي وغيره بالعقل الفعّال هو اللّه ( على حد زعمه ) فذكر : الاتصال بالعقل الفعال ميسور من طريقين : طريق العقل ، وطريق المخيلة ، أو طريق

--> فلنسمّ التخيل التمثيلي بالمصوّرة ، والتخيل المبدع بالاختراع ، والتخيل الوهمي بالتوهم ( المعجم الفلسفي د / صليبا ) . ( 1 ) المباحث المشرقية 2 / 557 وواضح أنه يعتمد على نقل حرفي مما قاله ابن سينا في النجاة وفي الشفاء - الإلهيات 2 / 441 - 442 المعلق بينما تناولها علماء منهم الجويني في ( الإرشاد 257 ) والغزالي في ( الاقتصاد في الاعتقاد 121 - 125 ) ، والبغدادي في ( أصول الدين 154 ) وأبو يعلى الحنبلي في ( المعتمد في أصول الدين ص 153 - 154 ) ، وابن حزم في الفصل في الملل والنحل 1 / 139 ، والباجوري في جوهرة التوحيد 270 - 272 ، وانظر أيضا كتاب لمع الأدلة للجويني في شروط المعجزة والرسالة والنبوة ص 110 .